أخبار الاقتصاد والأعمال والشركات والاستثمار في الشرق الأوسط

لماذا تفشل بعض الصناعات المحلية؟ المشكلة تبدأ قبل بناء المصنع

كلما تحدثنا عن الصناعة في الدول الناشئة، يبدأ النقاش عادة بالمصانع: ماذا نبني؟ ماذا ننتج؟ وما الصناعات التي يمكن أن ننقلها من الخارج؟ لكنني أعتقد أن السؤال يجب أن يبدأ من مكان آخر تماماً: ماذا نملك نحن؟ وماذا يمكن لعقولنا أن تصنع مما نملكه؟ فالصناعة الحقيقية، في رأيي، لا تبدأ من المصنع، بل من مركز…

كلما تحدثنا عن الصناعة في الدول الناشئة، يبدأ النقاش عادة بالمصانع: ماذا نبني؟ ماذا ننتج؟ وما الصناعات التي يمكن أن ننقلها من الخارج؟

لكنني أعتقد أن السؤال يجب أن يبدأ من مكان آخر تماماً:

ماذا نملك نحن؟ وماذا يمكن لعقولنا أن تصنع مما نملكه؟

فالصناعة الحقيقية، في رأيي، لا تبدأ من المصنع، بل من مركز البحث.

عندما أنظر إلى الدول الصناعية المتقدمة أجد أن الفارق ليس فقط في حجم مصانعها، وإنما في حجم ما تستثمره قبل أن يصل المنتج إلى المصنع أصلاً.

متوسط الإنفاق على البحث والتطوير في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بلغ نحو 2.7% من الناتج المحلي الإجمالي في 2023، بينما أنفقت الولايات المتحدة نحو 3.4%، وألمانيا أكثر من 3%، وكوريا الجنوبية قرابة 5%، وإسرائيل نحو 7%.

في المقابل، تشير أحدث بيانات اليونسكو إلى أن 73% من الدول التي تتوافر عنها بيانات لا تزال تنفق أقل من 1% من ناتجها المحلي على البحث والتطوير. وفي أفريقيا جنوب الصحراء يدور المتوسط حول 0.38%، وفي أميركا اللاتينية والكاريبي نحو 0.57%.

هذه الأرقام بالنسبة لي تفسر جزءاً كبيراً من الفارق.

نحن أحياناً نريد صناعة تنافس العالم، لكننا لا نعطي البحث الذي يسبق هذه الصناعة ما يكفي من المال أو الوقت أو العقول.

والمشكلة لا تتوقف هنا.

بعض الدول تحاول إنشاء صناعات لا تعتمد أساساً على مواردها. تستورد المادة الخام، وتستورد الآلات، وتستورد التكنولوجيا، وربما حتى الخبرة البشرية، ثم تنتظر من المنتج النهائي أن ينافس شركات عالمية تعمل في المجال نفسه منذ خمسين عاماً.

كيف سينافس؟

إذا كنت أستورد تقريباً كل ما يدخل في المنتج، فأين ميزتي؟

قد ينجح المصنع لفترة بدعم حكومي أو إعفاءات أو حماية جمركية، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يواجه السوق وحده.

لهذا أرى أن أي دولة تريد بناء صناعة حقيقية يجب أن تبدأ أولاً بخريطة دقيقة لما لديها من موارد.

ما المعادن الموجودة لديها؟
ما المواد الزراعية؟
ما المنتجات البتروكيماوية؟
ما الموارد البحرية؟
ما المواد التي يمكن معالجتها محلياً بتكلفة منخفضة؟

ثم يأتي السؤال الأهم:

ماذا يمكن أن نصنع من هذه المواد ولا يصنعه الآخرون بالطريقة نفسها؟

هنا يأتي دور مراكز الأبحاث.

أنا لا أريد مركز أبحاث هدفه فقط نشر الدراسات ووضعها على الرفوف. أريد مركزاً يدخل إليه الباحث وهو أمام مشكلة صناعية حقيقية، ويخرج منه بحل يمكن تحويله إلى منتج.

إذا كنا نملك مادة خام نبيعها بعشرة دولارات، يجب أن يكون هدف الباحثين هو معرفة كيف يمكن تحويلها إلى مادة أو منتج يباع بمئة أو ألف دولار.

هذا هو البحث العلمي الذي يصنع اقتصاداً.

وأعتقد أيضاً أن الدول الناشئة يجب أن تتعامل مع العقول الشابة بنفس الجدية التي تتعامل بها مع الموارد الطبيعية.

في كل جامعة هناك طالب متفوق، أو شاب لديه قدرة استثنائية في الكيمياء أو الهندسة أو البرمجة أو المواد أو الطاقة، لكنه قد يتخرج ثم يدخل وظيفة روتينية لا علاقة لها بموهبته.

لماذا لا نبحث عن هؤلاء مبكراً؟

لماذا لا تختار الدولة سنوياً أفضل طلابها في المجالات التي تحتاجها صناعاتها المستقبلية، وتمنحهم فرصة الدراسة في أفضل الجامعات والمختبرات في العالم، ثم تعيدهم إلى مراكز أبحاث حقيقية مجهزة للعمل؟

ليس الهدف أن نرسل الطالب إلى جامعة عالمية فقط ليحصل على شهادة جميلة تعلق على الحائط.

الهدف أن يعود وفي رأسه معرفة لا نملكها، ثم نضع أمامه الموارد والمختبر والتمويل ونقول له:

ماذا تستطيع أن تصنع لنا من هذا؟

تخيلوا لو قامت دولة خلال عشر سنوات باختيار مئات من أفضل عقولها بهذه الطريقة.

بعضهم متخصص في المعادن، وآخرون في الزراعة، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، والكيمياء، والمواد المتقدمة.

هؤلاء ليسوا تكلفة.

هؤلاء يمكن أن يكونوا أهم استثمار تقوم به الدولة.

فالمصنع يمكن شراؤه.

والآلة يمكن استيرادها.

أما المعرفة التي تجعل هذه الآلة تنتج شيئاً لا ينتجه الآخرون بسهولة، فهذه هي القيمة الحقيقية.

لهذا أعتقد أن الدول الناشئة لا تحتاج إلى تقليد صناعات الدول الكبرى بقدر ما تحتاج إلى اكتشاف صناعتها الخاصة.

صناعة تبدأ من الموارد المحلية، وتمر عبر عقل الباحث، وتنتهي بمنتج قادر على المنافسة في الأسواق.

وعندما نجمع بين المادة الخام المحلية، والعقل المحلي، والبحث العلمي، والتصنيع، عندها نحصل على شيء يصعب على الآخرين تقليده بسرعة.

وهنا يكون المنتج قادراً على المنافسة ليس فقط لأنه أرخص، بل لأنه مختلف.

في النهاية، الصناعة ليست مبنى كبيراً فيه آلات وعمال.

الصناعة الحقيقية تبدأ قبل ذلك بسنوات، عندما تسأل الدولة نفسها:

ما الذي نملكه؟ ومن هم أفضل عقولنا؟ وماذا يمكن أن نصنع إذا جمعنا الاثنين معاً؟

من هنا، في رأيي، يبدأ التصنيع الذي يمكن أن يستمر.